المنجي بوسنينة
180
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
كذلك أخذ العلوم الرياضية من حساب وجبر ومقابلة وما يتّصل بهما من علم الفرائض ، عن ابن نصر اللّه البغدادي المتقدم ذكره وسواه من العلماء . أما علم أصول الدين وعلم أصول الفقه وعلوم البلاغة من بيان ومعان فقد درسها على أحمد بن محمد المحلي ( ت 860 ه / 1455 م ) ومحمد القاياتي المتقدم ذكره وآخرين . كما سمع الحديث النبوي الشريف من عبد الكريم بن عبد اللّه بن الديري ( ت 876 ه / 1471 م ) ، وابن نصر اللّه البغدادي وسواهما . لقد برع الإبشيطي في جميع العلوم التي تصدّى لقراءتها حتّى أصبح واحدا من مشاهير عصره في الفقه وأصوله ، وأصول الدين ، والعربية ، والفرائض ، والحساب ، والعروض ، والمنطق وغيرها . ولشدة فقره نزل في صوفية الحنابلة المؤيدية في بداية افتتاحها وأقرأ الناس فانتفع به الكثيرون طبقة بعد طبقة . وفي سنة سبع وخمسين وثمانمائة من الهجرة / ألف وأربعمائة وثلاث وخمسين من الميلاد ، قام الإبشيطي بأداء فريضة الحج في بيت اللّه الحرام وزار قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وانقطع بها مدة جاوزت العشرين سنة ، وعظم انتفاع أهلها به في العلم والإيثار ، وحفظوا من كراماته وبديع إشاراته ما يفوق الوصف حتّى وصف بينهم بكونه كلمة إجماع ، وكان يبالغ في إكرام من يتردّدون عليه ويصفهم بأحلى وأعذب العبارات . وبعد ذلك واصل الإبشيطي زياراته لبيت اللّه الحرام لأداء فريضة الحج ولقاء المشايخ من علماء المسلمين ، ففي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة من الهجرة / ألف وأربعمائة وست وستين من الميلاد ، جاور بمكة المكرّمة مدة التقى فيها على عادته مشاهير العلماء ومنهم الفقيه والمؤرخ الشهير شمس الدين محمد السخاوي الذي أكثر من الحديث عن كثرة اجتماعه بالإبشيطي والاستئناس بمحادثته والسماع من فوائده ومواعظه والابتهاج برؤيته وسماع دعواته ، كما وصفه بكونه على قدر عظيم من الاشتغال بوظائف العبادة ، صلاة وطوافا ومشاهدة وتلاوة وإيثارا وتقشفا وتحرزا في لفظه ، بل وغالب أحواله منعزلا عن أهلها البتّة وربّما جلس في بعض مجالس الحديث بأطراف الحلقة وقد طلب منه جماعة أن يقوم بالتحديث لكنه امتنع لا سيما عندما كان بالمدينة المنوّرة أدبا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم يزل على هذه الحالة حتّى وفاته . ومن مظاهر تصوّفه وعبادته زهده في الحياة وتقشفه فيها حتى قيل فيه إنه كان مقتصدا في مأكله وملبسه ، فكان يلبس قميصا خشنا ويلبس فوقه في الشتاء فروة كباشية ، وإذا اتسخ قميصه يغسله بنفسه في بركة صوفية الحنابلة المؤيدية بالماء فقط . وكان ينام وتحت رأسه طوبتان وإلى جانبه قطعة من الخشب يضع عليها كتبه ، وبقية خلوته في المؤيدية كان يضع فيها حبال الساقية والعليق بحيث لا يختصّ من الخلوة إلّا بقدر حاجته . وكان له في كلّ يوم ثلاثة أرغفة يأكل رغيفا واحدا ويتصدّق بالرغيفين الآخرين للمحتاجين . كما كان معلومه في كلّ شهر محدودا جدّا يقتات منه في كلّ شهر نحو